جلال الدين السيوطي

736

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قال : قلت لمبرمان : أنت رأس في النحو ، وأنا في الكلام ، بحيث علمت ، فعلّمني النحو وأعلّمك الكلام . فقال لي : جميع علوم الكلام لا تساوي لي ساقة بقل ورسمي فيمن يقرأ علي كتاب سيبويه أن آخذ منه مائة دينار . قال : فقلت له : نعم ، غير أني أسألك النّظرة ، وأرهن عندك ما يساوي أضعاف ذلك إلى أن يجيئني مال لي ببغداد . فتمنّع قليلا ، ثم أجاب ، فعمد أبو هاشم إلى زنفيلجة حسنة مغشّاة بالأدم محلّاة ، فملأها حجارة ، وثقّلها وختمها وحماها إليه ، فأقرأه الكتاب ، فلما تمّمه ، قال له : احمل ما لي قبلك ، وخذ متاعك . فقال : أنفذ معي غلامك . فأنفذه معه ، فكتب إليه رقعة يقول فيها : قد تعذّر عليّ حضور المال ، وأرهقني السفر ، وقد أبحتك التصرّف في الزنفيلجة ، وهذا خطي حجة ذلك . وخرج أبو هاشم لوقته إلى بغداد ، فلما وقف مبرمان على رقعته ، فتح الزنفيلجة ، فإذا فيها حجارة ، فقال : سخر منّا لا حيّاه الله . وحدّث عن ولد المبرّد قال : في تلامذة أبي رجلان ، أحدهما يسفل والآخر يعلو . فقيل له : من هما ؟ قال : مبرمان يقرأ على أبي ويأخذ عنه كتاب سيبويه ، ثم يقول : قال الزّجّاج ، فهذا يسفل . والكلابزيّ يقرأ عليه ، ثم يقول : قال المازنيّ ، وكان الكلابزيّ هذا قد أدرك المازنيّ ، فهو يعلو . وحدّث الحسن بن عمر اليبيع ، قال : قال لي مبرمان : لا ينفع العالم إلا لستة أشياء : زمان ، وأسياد ، وجدة ، وسهوة ، وقريحة جيدة ، وفراغ . وقال ابن شيران : كان مبرمان مع علمه وأدبه ومعرفته بالنحو ساقط المروءة سخيفا ، وكان قد أسنّ ، فإذا أراد أن يمضي إلى بعد طرح نفسه في طبق حمّال ، وشدّه بحبله كما يشد حمولته ، وربّما كان في فمه نبق أو غيره ، وهو يأكل ويرمي النوى والقشور على الناس يتعمّد رؤوسهم ، وربّما بال على رأس الحمّال ، فإذا قال له : ما هذا ؟ يعتذر . وله نوادر وأخبار .